صندوق النقد العربي يُصدر دراسة حول "رقمنة مدفوعات التحويلات الاجتماعية في الدول العربية"

النظم الإلكترونية للتحويلات الاجتماعية ساعدت الدول العربية على تحقيق عدد من المكتسبات بما يشمل الاستهداف الدقيق للمستحقين للدعم النقدي، وخفض التكاليف الإدارية، وتيسير استحقاق التحويلات، والربط الإلكتروني مع جميع الدوائر الحكومية

أهمية تركيز الدول العربية على تبني خطط مستقبلية لقيادة التحول الرقمي المُرتكز على المواطن، تستهدف تطوير النظم الإلكترونية للتحويلات الاجتماعية

في إطار سعي صندوق النقد العربي لإعداد إسهامات بحثية تتوافق مع أولويات دوله الأعضاء ودعم صناع السياسات، أصدر الصندوق دراسة بعنوان "رقمنة مدفوعات التحويلات الاجتماعية في الدول العربية". اهتمت الدراسة التي تستند إلى استبيان تم استيفائه من قبل الجهات المعنية برصد تجارب الدول العربية فيما يتعلق برقمنة نظم التحويلات الاجتماعية بهدف الوقوف على الوضع الراهن لهذه النظم، والمكاسب الاقتصادية الناتجة عنها، والتحديات التي تواجه الجهات المعنية، والدروس المستفادة، بهدف تبادل الخبرات والتجارب بين الدول العربية.

أشارت الدراسة إلى أن رقمنة المالية العامة ترتبط بالعديد من المزايا والمكاسب الاقتصادية لاسيما بالنسبة للدول النامية. فالتقديرات تشير إلى أن التحول إلى عمليات التحصيل والدفع الإلكتروني على جانبي الموازنة العامة (الإيرادات والنفقات العامة) يُحقق وفورات اقتصادية تتراوح بين 220 إلى 320 مليار دولار سنوياً أي ما يعادل 0.8 إلى 1.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للدول النامية.

كذلك توضح التجارب الدولية أن التحول الرقمي لنظم التحويلات الاجتماعية ساعد الكثير من الدول النامية على زيادة مستويات تغطية برامج الحماية الاجتماعية، ومكًّن من خفض التكاليف الإدارية لهذه البرامج بشكل ملموس. ففي البرازيل، تمكنت الحكومة من خلال دمج أربعة برامج للتحويلات الاجتماعية في برنامج واحد للتحويلات الاجتماعية الرقمية، من توسيع نطاق تغطية الأسر المستفيدة من البرنامج ليصل عددها إلى نحو 80 في المائة من الأسر الفقيرة مقارنة بنحو 65 في المائة من هذه الأسر سابقاً. كما ساعد التحول الرقمي على خفض التكاليف الإدارية بما يقدر بنحو ثلاثة أرباع المستويات المسجلة قبل التحول الرقمي.

كما ساهم مشروع الهوية البيومترية الوطني المطبق في الهند والمعروف باسم "أدهار" الذي يمثل أكبر مشروع للهوية الوطنية على مستوى العالم، بإجمالي عدد مسجلين في النظام يبلغ 1.2 مليار مواطن، في زيادة كفاءة نظم التحويلات الاجتماعية ودفع المعاشات. حيث يُمكن النظام من إيصال مدفوعات برامج الدعم لاسيما دعم السلع الغذائية والوقود المنزلي إلى الحسابات المصرفية للمستحقين مباشرة، المرتبطين بنظام الهوية البيومترية في أي مكان في الهند، بما في ذلك الأماكن التي لا تتوفر فيها فروع بنكية أو أجهزة الصراف الآلي. كما مكّن النظام الحكومة من التنقيح الدوري لقوائم المستفيدين لمنع الازدواجية أو وصول الدعم لغير المستحقين.

من جانب آخر، في ظل التطورات التي يشهدها العالم منذ انتشار جائحة فيروس كورونا المُستجد، اتجهت الحكومات حول العالم إلى تقديم المزيد من أوجه الدعم المالي إلى الأسر والفئات المتضررة. كما برزت أهمية التحول الرقمي في ظل تزايد الاهتمام بتقنيات المدفوعات اللاتلامسية لمنع انتشار الوباء، وهو ما حفز العديد من الحكومات على تبني مشروعات للتحول باتجاه نظم التحويلات الاجتماعية الإلكترونية.

في إطار التطورات الرقمية المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، بدأت الدول العربية في رقمنه نظم التحويلات الاجتماعية المُقدمة للأسر الفقيرة وذوي الدخل المحدود. وبالفعل أحرزت بعض الدول على مستوى الوطن العربي تقدماً ملحوظاً في رقمنة عدد من الخدمات الاجتماعية، منها على سبيل المثال التحويلات النقدية المباشرة، وخدمات الضمان، والتأمين الاجتماعي، وغيرها.

في هذا السياق، استعرضت الدراسة التطور المُنجز في الدول العربية في مجال رقمنة نظم التحويلات الاجتماعية، مستفيدةً في ذلك من التقنيات الحديثة التي مكنت من تحقيق مكتسبات عديدة، منها توسيع نطاق التغطية لتشمل عدد أكبر من المستفيدين، وسهولة إنجاز واستحقاق التحويلات، وضمان الاستهداف الأمثل للمستحقين، وخفض التكاليف الإدارية، وتيسير الربط الإلكتروني مع جميع الدوائر الحكومية. أشارت الدراسة إلى أن التحول نحو نظم التحويلات الاجتماعية الإلكترونية استلزم تبني الدول العربية للأطر التشريعية الداعمة لهذا التحول بما يشمل تعديل نظم الضمان الاجتماعي، وسن تشريعات تستهدف تنظيم التعاملات الرقمية، بما يشمل قوانين التوقيع الإلكتروني، وضمان أمن المعلومات، والهوية الرقمية، وحماية البيانات، ومكافحة جرائم تقنية المعلومات.

تمثلت أبرز التحديات التي واجهت الدول العربية على صعيد التحول الرقمي في نظم التحويلات الاجتماعية في ارتفاع مستويات التكلفة المرتبطة بهذا التحول، وصعوبة استخدام التقنيات من قبل بعض شرائح السكان، منها على سبيل المثال المسنين وبعض أصحاب الهمم. كما أن تعدد الجهات الحكومية المعنية بتقديم التحويلات الاجتماعية يطرح تحديات التنسيق بين البرامج الاجتماعية لضمان كفاءة تقديم خدمات التحويلات للمستفيدين. إضافة إلى ضرورة تحديد جهة مركزية للربط مع الأنظمة الإلكترونية الحكومية المعتمدة في إطار رقمنة نظم التحويلات الاجتماعية النقدية. لمواجهة هذه التحديات، تم دعم المشاركة الفعّالة ونشر الوعي وتشجيع المواطنين للاستفادة من الخدمات الإلكترونية المُقدمة. كما عملت الجهات الحكومية المعنية على تطوير الخدمات عالية الجودة وسهلة الاستخدام، مع ضمان أمن وخصوصية المعلومات وسرية البيانات.

أشارت الدراسة إلى تبني بعض الدول العربية خططاً مستقبلية لقيادة التحول الرقمي المُرتكز على المواطن تستهدف تطوير النظم الإلكترونية للتحويلات الاجتماعية، من خلال السعي إلى دمج برامج الدعم النقدي في قاعدة معلوماتية مركزية قومية متكاملة، عبر إنشاء نظام إلكتروني يتم من خلاله إدارة كافة المراحل ذات الصلة باستخدام التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة، بما يسهم في رفع كفاءة وسرعة توفير الخدمات الاجتماعية.

بناءً على التجارب العربية والدولية التي تم التطرق إليها من خلال هذه الدراسة، تم الوصول إلى بعض التوصيات على صعيد عملية صنع السياسات، بما يشمل:

تسريع وتيرة التحول الرقمي لتطوير نظم التحويلات الاجتماعية الإلكترونية وزيادة مستويات كفاءتها وفعاليتها، وهو ما برزت أهميته على وجه الخصوص في ظل التحديات التي فرضتها جائحة كوفيد-19.

  • اعتماد التقنيات الحديثة لتبادل الوثائق ومعالجة المعلومات والبيانات المتوفرة لدى الإدارات والجهات الحكومية ذات العلاقة بنظم التحويلات الاجتماعية، لإحداث طفرة نوعية في العلاقة بين الإدارة والمستفيدين لاسيما فيما يتعلق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة.
  • إنشاء بوابة وطنية موحدة لنظم التحويلات الاجتماعية الإلكترونية بهدف تيسير المعاملات، إضافة إلى تحديد جهة مركزية لتقديم هذه التحويلات مرتبطة معلوماتياً بباقي الجهات الحكومية.
  • نشر ثقافة استخدام الخدمات الإلكترونية، والتواصل مع المواطنين لزيادة مستوى الاستفادة من الخدمات الإلكترونية وتوضيح مزايا التحول الرقمي في نُظم التحويلات الاجتماعية.
  • سن القوانين والتشريعات ذات الصلة بهدف الحفاظ على بيئة إلكترونية آمنه والعمل على تطوير البنية التحتية المعلوماتية واستقطاب المهارات والقدرات التقنية والبشرية اللازمة.
  • الاهتمام بتطوير تطبيقات التحويلات الاجتماعية عبر الهواتف المحمولة.
  • مواكبة التطورات التقنية في مجال النظم الإلكترونية لمدفوعات التحويلات الاجتماعية واعتماد التقييم المستمر، إضافة إلى تخصيص موارد مالية لتطوير الأنظمة الإلكترونية المتبعة.
  • تبني أنظمة دفع رقمي مرنة على غرار تلك التي تعتمد على الهاتف المحمول في عمليات سحب وتحويل الأموال ودفع الفواتير وإنجاز باقي التعاملات المرتبطة بنظم التحويلات الاجتماعية.

 

النسخة الكاملة من العدد متاحة على الرابط