صنــــدوق النقد العربي يصــــدر العدد الثاني من سلسلة "موجز سياسات" حول "رقمنة المالية العامة"

02-05-2019

الدراسات تشير إلى أن التحول إلى الدفع والتحصيل الإلكتروني على صعيد جانبي الموازنة يحقق وفورات تقدر بنحو 320 مليار دولار سنوياً في الدول النامية

رقمنة المالية العامة تُمكن الحكومات من زيادة الحصيلة الضريبية ومكافحة التهرب الضريبي وتساعد على رفع كفاءة وشفافية نظم المشتريات العامة

الحكومات العربية حريصة على رقمنة المالية العامة في إطار خططها القومية الهادفة للتحول الرقمي والإصلاح المالي

وجود رؤى وطنية للتحول الإلكتروني واستراتيجيات للشمول المالي ونظم إلكترونية للهوية أساس لنجاح رقمنة المالية، وحماية سرية وخصوصية البيانات ودعم أمن الفضاء السيبراني ركائز أساسية للحد من المخاطر المحتملة

 

في إطار حرصه على تطوير أنشطته البحثية، أطلق صندوق النقد العربي سلسلة بحثية دورية جديدة بعنوان "موجز سياسات"، تستهدف دعم عملية صنع القرار في الدول العربية من خلال توفير إصدارات بحثية موجزة تتطرق لأبرز الأولويات والموضوعات ذات الاهتمام بالنسبة للبلدان الأعضاء مصحوبةً بتوصيات  لصناع السياسات. 

تطرق العدد الثاني من هذه السلسلة إلى موضوع "رقمنة المالية العامة"، حيث أشار إلى أن التحولات الرقمية غير المسبوقة التي يشهدها العالم قد أثرت على كافة مناحي الحياة وأسفرت عن تحقيق مكاسب كبيرة على صعيد الإنتاجية والتنافسية من خلال دورها في إعادة تشكيل طريقة أداء العديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية، كما انعكست كذلك على آليات عمل وأداء السياسات الاقتصادية الكلية ومن بينها المالية العامة.  امتداداً لهذه التحولات وفي إطار الثورة الصناعية الرابعة وما صاحبها من تقنيات مثل الذكاء الصناعي، والبيانات الكبيرة، وسلسلة الكتل (البلوكشين)، والتقنيات الحيوية وغيرها من التقنيات الأخرى، اتجهت العديد من الحكومات للاستفادة من هذه التقنيات في زيادة مستويات فاعلية إدارة المالية العامة في تحقيق أهدافها من خلال تطوير آليات أكثر كفاءة لجمع الأموال العامة وإنفاقها بما يُحقق أهداف السياسة المالية. تتطرق رقمنة المالية العامة للعديد من الجوانب من بينها التحول الرقمي على صعيد إدارة جانبي الموازنة العامة (الإيرادات والمصروفات العامة) لاسيما من خلال تبني نظم التحصيل والدفع الإلكتروني.

على صعيد جانب الإيرادات العامة، ساعدت رقمنة الضرائب  العديد من الدول على زيادة مستويات التحصيل الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال التحول للنظم الإلكترونية للإقرار والامتثال الضريبي والتحصيل والفوترة الإلكترونية. فيما ساهمت رقمنة الإنفاق العام في زيادة كفاءة نظم المشتريات الحكومية، ومكافحة الفساد، وتحسين فاعلية نظم التحويلات الاجتماعية عبر إنشاء قواعد بيانات أكثر دقة لمن هم مؤهلون للحصول على الدعم، وتوجيه التحويلات النقدية إليهم عبر قنوات الدفع الإلكتروني بطريقة سهلة وآمنة، يمكن التحقق منها مثل الهواتف المحمولة باستخدام توقيع البصمة البيومترية، وبالتالي تمكين الحكومات من الوصول إلى قاعدة واسعة من المستفيدين بأقل كلفة. إضافة إلى ما سبق، ترتبط رقمنة المالية العامة أيضاً بتبني أحدث النظم التقنية فيما يتعلق بالجوانب الأخرى المرتبطة بالسياسة المالية ومن بينها نظام إدارة المعلومات المالية الحكومية، ونظام إدارة الديون والتحليل، وغيرها من النظم التي ساعدت على زيادة مستويات شفافية وشمولية ودقة عمليات الموازنة العامة للدولة.

في هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن التحول إلى عمليات التحصيل والدفع الإلكتروني على جانبي الموازنة العامة (الإيرادات والنفقات العامة) يُمكن أن يساعد على تحقيق وفورات اقتصادية سنوية تقدر بما يتراوح بين 0.8 و1.1 في المائة على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً في الدول النامية، أي ما يتراوح بين 220 و320 مليار دولار. قد تتجاوز المكاسب الاقتصادية هذا المستوى إذا تم أخذ العوامل الخارجية الإيجابية غير المباشرة في الاعتبار. على سبيل المثال، أدت رقمنة الضرائب إلى زيادة بنسبة 50 في المائة في القاعدة الضريبية في الهند في أقل من عام واحد مما ساعد على توليد المزيد من الإيرادات العامة.

أشار العدد الثاني من سلسلة "موجز سياسات" إلى عدد من التجارب الدولية على صعيد رقمنة المالية العامة موضحاً  تفاوت تجارب بلدان العالم في التحول الرقمي في عمليات الموازنة العامة، حيث سبق عدد من بلدان العالم المتقدم بلدان العالم النامية في مثل هذه التحولات منذ سنوات. فعلى سبيل المثال، تم رقمنة كافة المدفوعات الحكومية المرتبطة بالتحويلات الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2013. كما حققت بلدان متقدمة أخرى إنجازات ملموسة في هذا الصدد حيث لا تتجاوز نسبة المدفوعات الحكومية غير الرقمية في كل من اسبانيا وإيطاليا نسبة 10 في المائة حالياً. كما يُمكن الآن لدول مثل المملكة المتحدة واستراليا وروسيا تحصيل الضرائب المفروضة على الدخل والشركات على الفور من خلال أنظمة الرواتب والفوترة الإلكترونية.

من جانب آخر، هناك العديد من النماذج والتجارب العالمية الرائدة على صعيد رقمنة المالية العامة في الدول النامية. ففي الصين تتمكن الحكومة من خلال مراجعة أنظمة الفوترة الإلكترونية واستخدام تقنيات البلوكشين من التحقق من امتثال الشركات لضريبة القيمة المضافة ومحاربة التهرب الضريبي. فيما تتوفر تجربة رائدة لرقمنة المالية العامة في الهند، حيث تبنت الحكومة في عام 2009 مشروع الهوية البيومترية الوطني المعروف باسم Aadhaar، وهو أكبر مشروع للهوية الوطنية على مستوى العالم. رغم كون هذا النظام قد تم تبنيه في البداية بهدف تحسين الشمول المالي وزيادة عدد الحسابات المصرفية، إلا أنه قد مكن الحكومة أيضاً من زيادة كفاءة نظم التحويلات الاجتماعية، حيث يتم من خلال النظام تحويل مدفوعات برامج الدعم لاسيما دعم السلع الغذائية والوقود المنزلي مباشرة إلى الحسابات المصرفية للمستحقين المرتبطة بنظام الهوية البيومترية في أي مكان في الهند، بما فيها الأماكن التي لا تتوفر فيها فروع بنكية أو ماكينات للصراف الآلي عبر الهاتف المحمول.

في هذا الإطار أشار العدد الثاني من موجز سياسات إلى أمثلة لرقمنة المالية العامة في بعض التجارب العربية، حيث حرصت الحكومات العربية في إطار خططها القومية الهادفة إلى التحول الرقمي ومساعيها للإصلاح المالي إلى التحول نحو رقمنة المالية العامة. وقد حقق العديد من الدول العربية نجاحات ملموسة في هذا الإطار. ففي الأردن، يتمكن الممولون من السداد الإلكتروني للضريبة على الدخل، وضريبة المبيعات إلكترونياً. في الإمارات، تبنت وزارة المالية منظومة من البرمجيات وبوابات الدفع الرقمية للارتقاء بعمليات تقديم الخدمات العامة في إطار منظومة الدرهم الإلكتروني التي تم تدشينها في عام 2001، كما تم تطويرها في عام 2011. تتميز منظومة الدرهم الإلكتروني بتعدد أنواع بطاقاتها، وتوفر رسوم خدمات مخفضة، لا تتطلب حساباً بنكياً، جميعها مدفوعة سلفاً، قابلة لإعادة التعبئة وتعتمد على السحب من الرصيد، المدفوع أو المغطى ببطاقات الائتمان، بطريقة ذكية وآمنة. وفي السعودية، تم تطوير منصة "سداد" للدفع الإلكتروني بما يخدم الأفراد والشركات والقطاع الحكومي من خلال تشغيل بنية تحتية تتسم بالكفاءة والأمان والتوافق مع أفضل الممارسات. يتم من خلال هذه المنصة الدفع الإلكتروني لضرائب القيمة المضافة. في مصر، يأتي التحول نحو رقمنة المالية العامة في سياق "استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030"، والبرنامج الوطني للإصلاح الاقتصادي الذي يتضمن حزمة من الإصلاحات المالية الرامية لتحديث إدارة المالية العامة، وتحسين تعبئة الموارد، وكفاءة الإنفاق العام باستخدام التقنيات الرقمية، حيث تبنت وزارة المالية منظومة لنشر الدفع والتحصيل الإلكتروني. وفي المغرب، اتجهت الإدارة العامة للضرائب إلى تطوير خدمة سداد الضرائب عبر الإنترنت لتمكين الممولين من الإقرار والدفع الإلكتروني لضرائب المبيعات والشركات والدخل. الأمر ذاته ينطبق في تونس حيث يُسمح للممولين بسداد ضريبتي القيمة المضافة وضريبة دخل الشركات إلكترونياً. كما تبنت موريتانيا نظاماً إلكترونياً للتخليص الجمركي ساعد في خفض الوقت اللازم لإنجاز مثل هذه المعاملات.

على  المستوى الإقليمي، يمثل انخفاض مستوى العبء الضريبي الذي يقاس بنسبة حصيلة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة العربية الذي يبلغ 7 في المائة، أي ما يقرب من نصف المتوسط ​​العالمي، أحد أهم التحديات التي تواجه السياسة المالية في المنطقة بما يستلزم السعي نحو مواصلة جهود الإصلاح الضريبي من خلال زيادة مستويات التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية. من ناحية أخرى، تواجه العديد من الدول العربية تحديات ترتبط بالحاجة إلى إصلاح أنظمة الدعم وزيادة كفاءة نظم التحويلات النقدية والاستهداف الدقيق للمستحقين. كما تبدو الحاجة ملحة كذلك لزيادة مستويات شفافية وكفاءة نظم المشتريات العامة. في ضوء ما سبق، هناك فرص واعدة أمام الاقتصادات العربية للاستفادة من رقمنة المالية العامة لزيادة كفاءة المالية العامة. في إطار سعي الحكومات العربية لتبني رقمنة المالية العامة تبرز أهمية الموائمة ما بين اغتنام الفرص المرتبطة بهذا التحول، والتقليل في ذات الوقت من احتواء المخاطر التي ترتبط برقمنة المالية العامة. في هذا السياق أشار العدد الثاني من موجز سياسات إلى بعض الانعكاسات على صعيد السياسات في الدول العربية والتي من أهمها:

 ضرورة وجود رؤية قومية متكاملة للتحول الرقمي: تستند التجارب العالمية الناجحة على صعيد رقمنة المالية إلى وجود رؤى وطنية شاملة للتحول الرقمي وفق إطار تدريجي داعم لهذا التحول يضمن مشاركة كافة الأطراف المعنية، حسب جدول زمني واضح يراعي توفير المتطلبات اللازمة والبنية الأساسية الداعمة لهذا التحول على مختلف الأصعدة والتي يمكن البناء عليها لمساعدة عمليات التحول الرقمي في القطاعات المختلفة وفق أطر تكاملية وأدوار محددة للجهات المعنية تضمن نجاح هذا التحول. بناء عليه، من شأن البلدان العربية التي يتبنى عدد كبير منها رؤى واستراتيجات مستقبلية للتحول الرقمي الاستفادة من الزخم الذي تتيحه التقنيات المُصاحبة للثورة الصناعية الرابعة في تطوير وزيادة مستويات كفاءة الأداء الاقتصادي وتحقيق نقلة في السياسات العامة وتقديم الخدمات الحكومية بما ينعكس إيجاباً على رفاهية المواطنين.

الشمول المالي أساس لنجاح مبادرات رقمنة المالية العامة: يُعد الشمول المالي أساس لنجاح مبادرات رقمنة المالية العامة القائمة على التحول نحو نظم الدفع والتحصيل الإلكتروني، فنفاذ السكان إلى هذه الخدمات الرقمية يتطلب وجود رؤية وطنية داعمة لزيادة مستويات الشمول المالي مع التركيز على المناطق المحرومة وتوفير التقنيات اللازمة لتسهيل هذا النفاذ بما يُمكن من الاستفادة من اتجاه الحكومة لرقمنة المالية العامة. تشير الإحصاءات إلى تواضع نسبة نفاذ الأفراد والشركات في المنطقة العربية إلى الخدمات المالية والمصرفية مقارنة بالمتوسط العالمي وباقي الأقاليم الأخرى. لذلك تبدو الحاجة مُلحة إلى تبني استراتيجيات داعمة للشمول المالي بالتركيز على زيادة الشمول المالي للشباب والإناث والسكان في المناطق النائية عبر تطبيق مجموعة من السياسات على جانبي العرض والطلب الخاص بالخدمات المالية والمصرفية.

التركيز على اعتبارات حماية الخصوصية وسرية البيانات ودعم الأمن السيبراني: رغم المكاسب الكبيرة التي تحققت على صعيد رقمنة المالية العامة، تشير تجارب بعض الدول رغم ذلك إلى وجود بعض المخاطر التي ترتبط بهذا التحول وخاصة فيما يتعلق بحالات الخروقات التي تعرضت لها هذه النظم وتم على أثرها انتهاك خصوصية وسرية بيانات المسجلين في بعضها. عليه، تتطلب التحولات الرقمية جهودً مكثفةً على مستوى السلطات الرسمية لإقرار الأطر التشريعية والتنظيمية والمؤسسية اللازمة لحماية سرية البيانات والخصوصية ودعم مستويات الأمن السيبراني بما يزيد من مستوى ثقة المتعاملين في الأنظمة المرتبطة برقمنة المالية العامة ولاسيما في ضوء حجم المعاملات الضخم الذي يتم عبر هذه الأنظمة.

القيود المؤسسية والقانونية وقيود القدرات البشرية: تستلزم مبادرات التحول الرقمي جهود حكومية لدعم القدرات المؤسسية والقانونية والكفاءات البشرية. فمن جهة تتطلب عملية رقمنة المالية العامة سن حزمة من القوانين التي تنظم عمليات الدفع الإلكتروني، ورقمنة المشتريات الحكومية، وغيرها من التشريعات الداعمة لهذا التحول، إضافة إلى بعض التغييرات المؤسسية والتنظيمية التي يفرضها هذا النوع من أنواع التحولات. كذلك من المهم تطوير القدرات البشرية في وزارات المالية ووحدات تنفيذ الموازنة العامة بما يسمح بوجود رؤى واضحة لماهية الإصلاحات المطلوبة على مستوى المالية العامة بشكل عام، وكيف يمكن لرقمنة المالية العامة أن تساهم في تنفيذ وزيادة كفاءة هذه الإصلاحات بشكل خاص وبدون وجود هذه الرؤى فلن تسهم رقمنة المالية العامة في تحقيق الأهداف المرجوة منها.

الحاجة إلى دعم البنية التقنية: العديد من مبادرات رقمنة المالية العامة تقوم على وجود بنية أساسية رقمية داعمة ولازمة لهذا التحول، من أبرزها اتساع نطاق انتشار تقنيات الاتصالات وتقنيات المعلومات لاسيما انتشار استخدام الهاتف المحمول والنفاذ إلى الإنترنت. بالتالي فهناك حاجة في عدد من الدول العربية إلى تعزيز مستويات نفاذ المواطنين إلى البنية الأساسية الرقمية، خاصة في المناطق المحرومة والنائية وهو ما سوف يساعد الحكومات على تحقيق مكاسب كبيرة من الاتجاه نحو رقمنة المالية العامة.

النسخة الكاملة من العدد متاحة على الرابط التالي:

موجز سياسات (العدد 2) حول رقمنة المالية العامة

Top